في عام 2022، تسلّمتُ دفة القيادة في منظمة استهلكت الكثير من وقتها في رسم المسارات بدلاً من السير فيها. كان الإرث الإداري السابق عبارة عن كميات كبيرة من محاضر الاجتماعات والوثائق، جميعها تدور حول استراتيجيات وخطط استهلكت ثلاث سنوات كاملة من النقاشات والصياغات المكتوبة.
في يومي الثالث فقط، وتحت ضغطٍ عالٍ، كان لزاماً تقديم التصور الاستراتيجي لمجلس الإدارة، كمتطلب تنظيمي تأخرت المنظمة في إنجازه. استعرضتُ الأهداف والتوجهات بأسلوب أعجب الحضور وحصد تصفيقهم. ورغم نشوة الإنجاز والنجاح في ترك هذا الانطباع الأولي المُبهر، إلا أنه في قرارة نفسي، كان هناك تساؤل مقلق يلح عليّ: “هل يمكن حقاً تحويل كل هذه الرؤى والخطط إلى واقع ملموس؟”.
عند البدء الفعلي في الميدان، بدأت ملامح الواقع تتضح. لم نبتعد كلياً عن الخطة، لكنها بدت مقيدة وغير مرنة للانطلاق. أدركنا حينها أن بوصلة العمل الحقيقية لا توجهها النقاشات في الغرف المغلقة، بل توجهها معطيات السوق، ونبض الواقع، والمتاح الفعلي من الموارد والعلاقات.. وهي تفاصيل دقيقة لا تتضح صورتها الكاملة إلا عند الانخراط المباشر والممارسة الميدانية.
انطلقنا بمرونة وبمادرة تركز على سد الفجوات الواضحة في الميدان. وفي غضون أشهر قليلة، وبفضل الله ثم جهود الفريق، أطلقنا هوية المنظمة، وهيأنا المقر للعمل، وفعّلنا ستة برامج تنموية. في خضم تلك الأيام المتسارعة، كنت أردد للفريق بنوع من الحرج: “دعونا نُنفذ أولاً، ثم نعود لاحقاً لكتابة الخطة“.
رافقني حينها شعور بـ “الذنب المهني”، ظناً مني أن هذا الأسلوب قد يُعد “تشغيباً إدارياً” أو خروجاً عن النص، وكانت تراودني مخاوف من أن تُفهم هذه المرونة على أنها عشوائية.
لكن مع الوقت والبحث، اتضح لي أن هذا المسار لم يكن تجاوزاً، بل كان تطبيقاً عفوياً فرضته طبيعة الميدان لمنهجيات إدارية رصينة تتبناها اليوم المدارس العالمية:
1. الاستراتيجية البازغة (Emergent Strategy) – هنري منتزبرغ
تعلمنا أن الاستراتيجية ليست دائماً تصميماً مسبقاً (Deliberate Strategy)، بل هي مسار يتشكل من خلال الممارسة الفعلية والتجربة في الميدان. يؤكد منتزبرغ أن الاستراتيجيات التي تنجح فعلياً هي التي تنبثق من صميم العمل اليومي والتعامل مع التحديات الطارئة، لتتحول لاحقاً إلى خطة رسمية.
2. المنطق الفعّال (Effectuation Logic) – ساراس ساراسفاثي
أدركنا أن العمل في ظروف متغيرة لا يتطلب دائماً اتباع “المنطق السببي” الذي يبدأ بوضع هدف ثم البحث عن موارد، بل يتطلب “المنطق الفعّال”؛ حيث يتم البدء بالمتاح من موارد فعلية وعلاقات (من نحن؟ وماذا نملك؟) لصنع واقع جديد، وهو ما يُعرف ببديهية “الطير في اليد” (Bird-in-hand principle).
3. الرشاقة المؤسسية والتعلّم بالعمل (Lean Start-up & Action Learning)
تقاطع ما قمنا مه مع منهجية إريك ريس في “النمو الرشيق”، التي تركز على دورة التعلم (بناء – قياس – تعلم). بدلاً من استهلاك الوقت في توقعات قد لا تطابق الواقع، يتم إطلاق “الحد الأدنى القابل للتطبيق” (MVP) لاختبار السوق، فالتنفيذ هنا هو أسرع وسيلة لجمع البيانات وتصحيح المسار.
4. التخطيط التكيّفي (Adaptive Planning)
وهو الأسلوب الذي يستبدل الخطط الجامدة بخطط مرنة تتغير مع تغير المعطيات الميدانية. هذا النهج يرى أن “الخطة” هي كائن حي ينمو مع الإنجاز، وليست قيوداً توضع قبل البدء بالمسير.
